روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

306

عرائس البيان في حقائق القرآن

وجنة العقول بستان العرفان ، وجنة الأرواح حديقة البيان ، وجنة الأسرار فردوس العيان ، ولكل جنة منها نهر وشجر وثمر وزهر ، فنهر جنة القلوب ماء حياة الأزل التي تجري بنعت التجلي فيها من عيون الوحدانية ، وهو لا يتغير بكدورات البشرية ، يحيى القلوب بنور اليقين حتى لا يجري عليها موت الجهالة ، وأشجارها أشجار الإيمان ، وثمرها أنوار الإيقان ، ونهر جنة العقول من ألبان القدرة يسقيها الحق منه ؛ ليريها لصفاء أنوار قدرته التي يورث معرفتها بعزته وجلال قدرته وأشجارها الحكمة وأزهارها الفطنة ، ونهر جنة الأرواح نهر كشف الجمال الذي مورده بحر الجلال ، يسقيها الحق منه ليطيبها بلذة الجمال ورؤية الجلال ، وأشجارها المحبة ، وأزهارها الشوق ، وأثمارها العشق ، ونهر جنة الأسرار كشوف الذات المقدس عن انقطاع فيضه المسرمد ، فيقويها الحق بشربة حتى استقامت في وصله ، فهناك أشجارها التوحيد ، وأزهارها التفريد ، وأثمارها التحقيق ، فأصحاب القلوب هم أهل الشهود ، وأصحاب العقول هم أهل الكشوف ، وأصحاب الأرواح هم أهل السكر والوجود ، وأصحاب الأسرار هم أهل المحو والصحو ، فأهل الشهود أصحاب المراقبات ، وأهل الكشوف أهل المقامات ، وأهل الوجود أهل الحالات ، وأهل المحو والصحو أهل الاستقامة ، فطوبى لمن كان له مثل هذه الجنان في دار الامتحان . قال الأستاذ : اليوم للأولياء لهم شراب الوفاء ، ثم شراب الصفة ، ثم شراب الولاء ، ثم شراب في حال اللقاء ، ولكل من هذه الأشربة عمل ، ولصاحبه سكر وصحو ، فمن شرب بكأس الوفاء لم ينظر في غيبته إلى غيره ، كما قيل : وما سرّ صدري منذ شطت بك النّوى * أنيس ولا كأس ولا متصرف ومن شرب بكأس الصفاء خلص له عن كل شرب وكدورة في عهده ، فهو في كل وقت صاف عن نفسه ، خال من مطالبته ، قائم به بلا شغل في الدنيا والآخرة ، ولا أرب ، ومن شرب بكأس الولاء عدم فيه القرار ، ولم يغب سره لحظة لا الليل ولا النهار ، ومن شرب في حال اللقاء أنس على الدوام بقائه ، فلم يطلب مع بقائه شيئا آخر لا من عطائه ولا من لقائه ؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ ( 17 ) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ ( 18 ) قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أي : الذين اهتدوا بنور اللّه سبل الوصول إلى المشاهدة للّه ، وطلبوا عرفانه بنية صادقة ، وقلوب شائقة راسخة ، وعقول صافية ، وأسرار طاهرة زادهم اللّه هدى ، بأنه يعرّفهم طرق معارف صفاته ،